الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
463
تفسير روح البيان
فعبادة أهل الحجاب لا تخلو عن فتور وكلفة بخلاف أهل الكشف الإلهي فان العبادة صارت لهم كالعادة لغيرهم في سهولة المأخذ والقيام بها نسأل اللّه تعالى ان يخفف عنا الأوزار انه الكريم الغفار قال الراغب الفتور سكون بعد حدة ولين بعد شدة وضعف بعد قوة قال تعالى يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ اى سكون خال عن مجيئ رسول وقوله تعالى لا يَفْتُرُونَ اى لا يسكنون عن نشاطهم في العبادة وفي الحديث ( لكل عامل شرة ولكل شرة فترة فمن فتر إلى سنتي فقد نجا والا فقد هلك ) فقوله ( لكل شرة ) فترة ) إشارة إلى ما قيل للباطل صولة ثم تضمحل وللحق دولة لا تزل وقوله ( من فتر إلى سنتي اى سكن إليها فالطرف الفاتر فيه ضعف مستحسن والفتر ما بين طرف الإبهام وطرف السبابة يقال فترته بفترى وشبرته بشبرى انتهى كلام الراغب الاصفهاني في كتاب المفردات أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً أم منقطعة مقدرة ببل مع الهمزة ومعنى الهمزة انكار الوقوع لا انكار الواقع والضمير للمشركين والمراد بالآلهة الأصنام مِنَ الْأَرْضِ متعلق باتخذوا بمعنى ابتدأوا اتخاذها من الأرض بان صنعوها ونحتوها من بعض الحجارة أو من بعض جواهرها كالشبة والصفر ونحوهما والمراد به تحقير المتخذ لا التخصيص هُمْ يُنْشِرُونَ يقال انشره اللّه أحياه اى يبعثون الموتى والجملة صفة الآلهة وهو الذي يدور عليه الإنكار والتجهيل والتشنيع لا نفس الاتخاذ فإنه واقع لا محالة بل اتخذوا آلهة من الأرض هم خاصة مع حقارتهم وجماديتهم ينشرون الموتى كلا فان ما اتخذوها آلهة بمعزل عن ذلك وهم وان لم يقولوا بذلك صريحا فإنهم لم يثبتوا الانشار للّه تعالى كما قالوا من يحيى العظام وهي رميم فكيف يثبتونه للأصنام لكنهم حيث ادعوا لها الإلهية فكأنهم ادعوا لها الانشار ضرورة انه من الخصائص الإلهية حتما لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ تنزيه لنفسه عن الشريك بالنظر العقلي والا بمعنى غير على أنها صفة آلهة اى لو كان في السماوات والأرض آلهة غير اللّه كما هو اعتقادهم الباطل سواء كان اللّه معهم أو لم يكن * قال في الأسئلة المقحمة كيف قال لو كان فيهما فجعل السماوات ظرفا وهو تحديد والجواب لم يرد به معنى الظرف وانما هو كقوله وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ لَفَسَدَتا الفساد خروج الشيء عن الاعتدال قليلا كان الخروج عنه أم كثيرا ويضاده الصلاح ويستعمل ذلك في النفس والبدن والأشياء الخارجة عن الاستقامة اى لخرجتا عن هذا النظام المشاهد لان كل امر بين الاثنين لا يجرى على نظام واحد والرعية تفسد بتدبير الملكين وحيث انتفى التالي تعين انتفاء المقدم * قال في التأويلات النجمية ان هذه الآلهة لا تخلو اما ان يكون كلهم متساويا في الألوهية وكمال القدرة أو بعضهم كامل وبعضهم ناقص واما ان يكون كلهم ناقصا يحتاج بعضهم إلى بعض في الإلهية واما كمالية بعضهم وناقصية بعضهم فهو يقتضى استغناء الكامل عن الناقص فالناقص لا يصلح للالهية واما الناقصون الذين يحتاجون إلى إعانة بعضهم لبعض فلا يصلحون للآلهية لأنهم محتاجون إلى مكمل واحد مستغن عما سواه وهو اللّه الواحد الأحد الصمد الغنى عما سواه وما سواه محتاج اليه ولو كان فيهما آلهة غيره لفسدتا لعدم مدبر كامل في الإلهية ولعجز آلهة أخرى في المدبرية